أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
41
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قالوه تقيّة ، فقد يتمنى الإنسان شيئا بلسانه وقلبه فارغ منه . وقال الزجاج : « بَلْ » هنا استدراك ، وإيجاب نفي ، كقولهم : ما قام زيد بل عمرو . قال الشيخ « 1 » : ولا أدري ما النفي الذي سبق حتّى توجبه « بَلْ » . « قلت : الظاهر أن النفي الذي أراده الزجاج هو الذي في قوله : « وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا » إذا جعلناه مستأنفا على تقدير : « ونحن لا نكذّب » ، والمعنى : بل أنتم مكذبون . وفاعل « بَدا » قوله : « ما كانُوا » ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، وهو الظاهر ، أي : ظهر لهم الذي كانوا يخفونه ، والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : ظهر لهم إخفاؤهم ، أي : عاقبته ، أو أطلق المصدر على اسم المفعول ، وهو بعيد . والظاهر أن الضميرين أعني المجرور والمرفوع في قوله : « بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ » عائذان على شيء واحد ، وهم الكفار ، أو اليهود والنصارى خاصة . وقيل : المجرور للأتباع ، والمرفوع للرؤساء ، أي : بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبوعون يخفونه . قوله : وَلَوْ رُدُّوا « قرأ الجمهور بضم الراء خالصا ، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ، وإبراهيم « رُدُّوا » بكسرها خالصا ، وقد عرفت أن الفعل الثلاثي المضاعف العين واللام يجوز في فائه إذا بني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في فاء الثلاثي المعتل العين ، إذا بني للمفعول ، نحو : قيل وبيع ، وقد تقدم ذلك . وقال : 1905 - وما حلّ من جهل حبى حلمائنا * ولا قائل المعروف فينا يعنّف بكسر الحاء . وقوله : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ « 2 » تقدم الكلام على هذه الجملة ، هل هي مستأنفة أو راجعة إلى قوله : « يا لَيْتَنا » . قوله : وَقالُوا . هل هذه الجملة معطوفة على جواب « لَوْ » والتقدير : ولو ردّوا لعادوا ولقالوا ، أو هي مستأنفة ليست داخلة في حيّز « لَوْ » ، أو هي معطوفة على قوله : « وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » ثلاثة أوجه ، ذكر الزمخشري الوجهين الأول والأخير ، فإنّه قال . « وَقالُوا » عطف على « لَعادُوا » أي : لو ردّوا لكفروا ، ولقالوا : إن هي إلا حياتنا الدنيا ، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة ، ويجوز أن يعطف على قوله : « وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » على معنى : وإنّهم لقوم كاذبون في كل شيء . « والوجه الأول منقول عن ابن زيد ، إلّا أن ابن عطية رده ، فقال : وتوقيف اللّه لهم في الآية بعدها على البعث ، والإشارة إليه في قوله : أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ « 3 » يرد على هذا التأويل » . وقد يجاب « 4 » عن هذا باختلاف الحالين ، فإنّ إقرارهم بالبعث حقيقة إنما هو في الآخرة ، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عودهم إلى الدنيا ، فاعترافهم به في الدار الآخرة غير مناف لإنكارهم إياه في الدنيا . قوله : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا « إِنْ » نافية ، و « هِيَ » مبتدأ ، و « حَياتُنَا » خبرها ، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات ، و « هِيَ » ضمير مبهم يفسره خبره ، أي : لا يعلم ما يراد به إلّا بذكر خبره ، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة ، وقد قدمت ذلك عند قوله : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ « 5 » ، وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظا ورتبة فيه نظر ، إذ لقائل أن يقول :
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 103 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 30 ) . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 104 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 29 ) .